النووي
54
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
أَقْرَضْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ ، وَارْتَهَنْتُ بِهَا عَبْدَكَ ، فَقَالَ : اسْتَقْرَضْتُهَا وَرَهَنْتُهُ ، صَحَّ الرَّهْنُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ . وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ : ارْتَهَنْتُ وَبِعْتُ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِيَ اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ لَمْ يَصِحَّ لِتَقَدُّمِ شِقَّيِ الرَّهْنِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيِ الْبَيْعِ . وَكَذَا لَوْ قَالَ : ارْتَهَنْتُ وَبِعْتُ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي : رَهَنْتُ وَاشْتَرَيْتُ ، لِتَقَدُّمِ شِقَّيِ الرَّهْنِ عَلَى شِقَّيِ الْبَيْعِ ، فَالشَّرْطُ أَنْ يَقَعَ أَحَدُ شِقَّيِ الرَّهْنِ بَيْنَ شَقِّيِ الْبَيْعِ ، وَالْآخَرُ بَعْدَ شَقَّيِ الْبَيْعِ . وَلَوْ قَالَ : بِعْنِي عَبْدَكَ بِكَذَا وَرَهَنْتُ بِهِ هَذَا الثَّوْبَ ، فَقَالَ : بِعْتُ وَارْتَهَنْتُ ، بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِيجَابِ . وَلَوْ قَالَ : بِعْنِي بِكَذَا عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي دَارَكَ ، فَقَالَ اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ ، فَوَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا ، يَتِمُّ الْعَقْدُ بِمَا جَرَى . قَالَ فِي « التَّتِمَّةِ » هُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ . وَالثَّانِي ، قَالَهُ الْقَاضِي : لَا يَتِمُّ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُ : ارْتَهَنْتُ أَوْ قَبِلْتُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ الشَّرْطُ إِيجَابُ الرَّهْنِ لَا اسْتِيجَابُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : افْعَلْ كَذَا لِتَبِيعَنِي ، لَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبًا لِلْبَيْعِ ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَرَّقَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِالْتِمَاسِ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ السَّبَبِ الدَّاعِي لَهُ إِلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَهُنَا بَاعَ وَشَرَطَ الرَّهْنَ ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ الِالْتِمَاسَ ، أَوْ أَبْلَغَ مِنْهُ . الشَّرْطُ الثَّالِثُ : كَوْنُهُ لَازِمًا . وَالدُّيُونُ الثَّابِتَةُ ضَرْبَانِ . أَحَدُهُمَا : مَا لَا يَصِيرُ لَازِمًا بِحَالٍ ، كَنُجُومِ الْكِتَابَةِ ، فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ ، وَالْآخَرُ غَيْرُهُ . وَهُوَ نَوْعَانِ . لَازِمٌ فِي حَالِ الرَّهْنِ ، وَغَيْرُ لَازِمٍ . فَالْأَوَّلُ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَسْبُوقًا بِحَالَةِ الْجَوَازِ ، أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقِرًّا ، كَالْقَرْضِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَثَمَنِ الْمَبِيعِ الْمُقْتَرَضِ ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ ، كَالثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ ، وَالْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ . وَأَمَّا الثَّانِي : فَيُنْظَرُ ، إِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي وَضْعِهِ اللُّزُومُ ، كَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، صَحَّ الرَّهْنُ بِهِ أَيْضًا ، لِقُرْبِهِ مِنَ اللُّزُومِ ، قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِي الثَّمَنِ إِلَى الْبَائِعِ ، فَأَمَّا إِذَا جَعَلْنَاهُ مَانِعًا ، فَالظَّاهِرُ مَنْعُ الرَّهْنِ ، لِوُقُوعِهِ قَبْلَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ الْمَرْهُونُ فِي الثَّمَنِ مَا لَمْ